كلمة رئيس مجلس الإعلام

الدكتور القس / إكرام لمعي

تاريخ الكنيسة الإنجيلية وكلمتي لها

في عام 1854 م بدأت الكنيسة المشيخية في مصر ولقد بدأت الكنيسة في ظروف صعبة وقاسية فلقد جاء المرسلون إلى مصر يحملون رسالة الإصلاح والتنوير الديني في مجتمع يعاني من التخلف والفقر ويحاول أن يستكمل مشروع مصر الحديثة الذي بدأه محمد على عام 1805، ولأن مهمة التنوير الديني مهمة صعبة، لذلك كانت البدايات صعبة والاستمرار أصعب. لكن هذه الكنيسة حققت وبلا شك نجاحات هنا وهناك. ولأبدأ أولًا بهناك في الزمان الماضي لأبدأ بالتاريخ القديم قبل الحديث عن هنا: المكان – الجغرافيا.

أولًا: نجاحات هناك في التاريخ:

كان أول مرسل لمصر القس يوحنا هوج من كنيسة إسكتلندا المشيخية كموظف في الإرسالية الأمريكية المشيخية، وقد بدأ عمله في مديرية أسيوط ولم تكن البدايات سهلة، فالمقاومة كانت عنيفة لكن التمسك بالمبادئ الإنجيلية والقيم كان هو الحافز للنجاح، ومن متاعب الخدمة في ذلك الوقت تحكى ابنة هوج أن أباها كان يزور القرى راكبًا حمارًا وانه قام بزيارة قرية أبنوب مرتين ومع ذلك لم يسترح أهل البلدة لزياراته وقالوا له صراحة أنه قد أتعبهم بزياراته، ويقول القس يوحنا هوج رجعت إلى البيت من أبنوب جوعانًا أنا وحماري.

ثلاثة قصص في التاريخ الإنجيلي الكنسي سوف نستشف منهم لماذا نجحت الكنيسة في الماضي؟.

أولهم: عندما طلب أخنوخ باشا فانوس وكان من اغنى الأغنياء في ذلك الوقت الإنضمام إلى الكنيسة الإنجيلية عام 1861 م، إلا أن المرسل المسئول عن الكنيسة في ذلك الوقت يوحنا هوج اشترط لقبوله أن يحرر العبيد الذين يمتلكهم، ولأجل الانضمام للكنيسة الإنجيلية والتي كانت مجهولة في ذلك الوقت اتخذ أخنوخ باشا قرارًا بتحرير جميع العبيد الذين يعملون لديه.

أما القصة الثانية فيحكيها حنا ويصا في كتابه “حدوته مصرية”، أنه انبهر في ذلك الوقت باجتماعات المرسلين في أسيوط بسبب الفكر الجديد لأنهم كانوا لا يفرقون بين غنى وفقير في المعاملة ، وكان يحضر هذه الاجتماعات مع أخيه و اثنين من النجارين الفقراء ، وفوجئ في احد الأيام أن مسئول كنيسته الاصلية والتي كان ما زال مرتبطًا بها وكذلك النجاران، دعا هذين الأخوين النجارين واصدر حكمًا بالحرمان عليهما لأنهما يحضران اجتماعات المرسلين الإنجيلين ، فذهب حنا ويصا إليه في القاهرة وسأله قائلًا: أنت تعلم إني أحضر اجتماعات المرسلين مع هذين الرجلين، فلماذا لم تحرمني أنا واخى أيضا معهما فأجابه لم نحرمكما لأنكما من أصحاب البلد وهنا قال له حنا إني لن أبقى في كنيسة تفرق بين غنى وفقير وقرر الانضمام إلى الكنيسة المشيخية التي تتعامل مع الجميع على قدم المساواة.

أما القصة الثالثة فبدأت عندما قررت الإرسالية الأمريكية تفكر في إنشاء مدرسة وكان الحوار حول هل نبدأ بمدرسة في القاهرة أم في أسيوط، وكانت الإرسالية تفضل في القاهرة بالطبع لكن يوحنا هوج أرسل خطابًا للإرسالية يقول فيها “إن كنتم تريدون أن تعلموا المصريين فلتكن المدرسة في القاهرة لكن إن كنتم تريدون تكوين مجتمعًا مسيحيًا حقيقيًا متعلمًا يقدم الاستنارة للبلد ككل فلنبدأ من أسيوط،” وهنا قررت الإرسالية بناء أول مدرسة في أسيوط.

هذه القصص الثلاث تبرز لنا سر النجاح هناك في التاريخ في الماضي حيث البدايات وهنا نرى أن السر كان في لاهوت الهوية الدينية المسيحية المشيخية المختلفة في الفكر والسلوك والتي ترجموها إلى استراتيجية لتنوير المجتمع ككل فكانت استراتيجيتهم: كنيسة صغيرة وبها مدرسة ملحقة بها، ومستشفى أو مستوصف إن أمكن ذلك، فمن ناحية الفكر وصلت الكنيسة إلى فئة المثقفين والأغنياء، ومن ناحية الوصول إلى عامة الشعب من مسلمين ومسيحين كانت الخدمة الاجتماعية لكل الناس من كل الطوائف والأديان.

في 13 إبريل 1860 م تشكل أول مجمع للكنيسة المشيخية في مصر من المرسلين وكان عدده سبعة أعضاء من بينهم سيدة أي كانت هناك سيدة عضو مجمع عام 1860 م.

وفى 23 مايو 1860 م تأسست أول كنيسة في الموسكى بالقاهرة.

وفى عام 1863 م تأسست كلية اللاهوت الإنجيلية بالذهبية التي كانت تسير في نهر النيل تحمل الأساتذة والطلبة، يتلقى فيها الطلبة دروسهم ثم يقفون من الجمعة إلى الأحد عند أقرب قرية أو مدينة لنهر النيل وينزلون ليعلموا الفكر المسيحي لأهل هذه البلاد.

وفى عام 1871 م تقرر أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمجمع.

وفى عام 1902 م أصبحت الكنيسة المشيخية كنيسة مصرية وطنية.

توالت النجاحات ببناء المدارس للبنات والمستشفيات وكانت أسيوط أحد معاقل الكنيسة الإنجيلية.

وامتد غرس الكنائس في الريف والمدن من الإسكندرية إلى أسوان.

وبرز من الكنيسة رواد في الوعظ والتفسير وتعليم اللاهوت.

لا شك أن هناك في التاريخ – في الماضي – كانت للكنيسة نجاحاتها. وقد بنيت هذه النجاحات على لاهوت الهوية أى الشخصية الكنسية المختلفة عن كل الشخصيات الكنسية الأخرى المطروحة.

والآن تعالوا بنا نرى نجاحات هنا في هذا الزمان الذي نعيشه وفى أماكن متعددة. ولا شك أن الكنيسة اليوم تعيش نجاحات متعددة وإذا نظرنا إلى خريطة الكنيسة الإنجيلية اليوم نلاحظ ما يلي: كنيسة القرية:

وهنا نلاحظ أنشطة متعددة ونجاحات في بعض الكنائس بداية من كنيسة العامرية في الإسكندرية إلى كنيسة الكوم الأخضر في وسط الدلتا وكنيسة ابشادات في مجمع ملوي وغيرها الكثير في المنيا وأسيوط وسوهاج والأقاليم العليا نماذج لكنيسة القرية المصرية التي تعمل باجتهاد.

هذا فضلًا عن نجاح العمل العام أو الهيئات العامة بصورة لم تحدث من قبل في التاريخ مثلًا:

  1. الهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية.
  2. النجاح الذي يشهده قطاع المدارس.
  3. المركز الطبي الإنجيلي ومستشفى طنطا.
  4. رابطة السيدات (دار المسنين).
  5. كلية اللاهوت الإنجيلية.
  6. دار الكتاب المقدس (وإن لم يكن تابعا مباشرة إلا انه مؤسسة إنجيلية).
  7. قناة Sat 7. ……. إلخ.

وعندما ننظر هنا وهناك نستطيع بسهولة أن ندرك انه يوجد نجاح واضح. وهذا النجاح اعتمد على أمرين:

الأول: تعدد المدارس الفكرية، وحرية الحركة: المدرسة الاجتماعية بجوار التعليم المدرسة الكتابية التجديدية. لذلك نجد نجاحات متعددة ومتفرقة.

الثاني: الدافع الشخصي للنجاح فالمنافسة على النجاح من مسؤول إلى أخر ولنتذكر أن النجاح العظيم هو مجموعة نجاحات صغيرة هنا وهناك ضمت إلى بعضها البعض، والفشل العظيم هو مجموعة نقاط فشل صغيرة هنا وهناك ضمت إلى بعضها البعض فصارت فشلًا عظيمًا.

كلمتي لكنيستي:

لقد رصدنا النجاحات الكثيرة في الماضي والحاضر وإذا أضممناها إلى بعضها البعض سوف تكَون هرمًا عاليًا، قادرًا على الوصول إلى عنان السماء وهذا يحتاج إلى:

  1. إطار لاهوتي عام مرن يجمع كل هذه المدارس والنجاحات ويعطيها صيغة واحدة.
  2. تهيئة بيئة عامة تشجع على النجاح وتكافئ كل مؤسسة قادرة على الاستمرار بنجاح.

ماذا عن المستقبل؟ لا يجب أن نقف عند الماضي فقط مهما كان جميلًا ورائعًا لكن أيضا هناك مستقبل ينتظرنا أي نجاحات هناك في المستقبل، فالنجاح في الماضي تاريخ (قصص وأحداث)، والنجاح في الحاضر جغرافيا أماكن متعددة على خريطة مصر هنا والآن، أما النجاح في المستقبل فهو قدرة الإنسان على إدراك المستقبل والإجابة على تساؤلاته فالزمن القادم ينتظرنا لتحقيق النجاح.

والمستقبل يدين لمن يقتحمه. والجماعة التي تريد أن تنجح عليها أن تصنع حاضرها بناء على توقعات المستقبل وليس على أساسيات الماضي فقط.

إن الشيء الجديد والمختلف والذي لم يحدث في العصور الماضية، إن المستقبل معروف ومحدد وحال بيننا وملامحه واضحة، ويقوم هذا المستقبل بإنتقاء المؤسسات والجماعات التي تصلح أن تكون له وتتواءم معه وليس العكس، ففي الماضي كان الإنسان والجماعة يفكرون في المستقبل ويحاولون صنعه، أما اليوم فالمستقبل هو الذي يصنعنا بعد أن كنا نحن الصانعون له. فالمستقبل لن يقبل شخصًا أميًا أو جماعة محدودة الثقافة، ولن يقبل جماعة فيها من لا يعرف كيف يستخدم الكمبيوتر ويجلس إلى الأنترنت أو social media والفيس بوك، ولن يقبل شخصًا أو جماعة تمتلئ بالتعصب ورفض الآخر، ولن يقبل جماعة غير قادرة على التطور إداريًا وثقافيًا وتعليميًا.

لذلك إن أردنا أن يكون لنا نجاحًا في المستقبل علينا أن نعيد تركيب أنفسنا كجماعة متطورة لكن نكون قادرين على الحياة والإنتاج والنجاح في المستقبل، إن المستقبل يقوم بعمل interview للأفراد والجماعات والمؤسسات ثم ينتقى منها من يصلح له، وأملى أن تجتاز كنيستنا هذا الــ interview بنجاح لكي يكون لنا مكان في المستقبل، وهذا هو التحدي الذي يقابل الكنيسة اليوم وأثق أن الكنيسة قادرة على التحدي إذ نملك المال والرجال والفكر وبهم نملك إرادتنا، حاضرنا، ومستقبلنا.