الكلمة الأفتتاحية

الدكتور القس / إكرام لمعي

يقول رينيه ديكارت 1596 – 1650 م: “إن كنت أريد أن أظن أن كل شيء باطل، لابد بالضرورة من أن أكون أنا نفسي الذي ظننت أصلًا بطلان كل شيء موجودًا، وانا حين ألاحظ هذه الحقيقة إنما ألاحظها لأنني أكون قد فكرت فيها تمامًا. وبالتالي فأنا إذ أفكر يجب أن أكون موجودًا بالضرورة، والعكس صحيح، فالإنسان الذي لا يفكر هو غير موجود، والجماعة التي لا تفكر هي غير موجودة”.

 

ولقد سبق ديكارت بسبعة عشر قرناً يسوع المسيح، ففي حواره مع أحد القيادات الدينية المتميزة بعقلانيتها وفلسفتها فاجأه المسيح بالقول : ” ينبغي أن تولد من فوق ” ،وكان المقصود هنا أن يبدأ يفكر فكرًا جديدًا لم يتعود عليه من قبل ،و من هنا عليه أن يتحدى نفسه (ما ولد عليه وما نما فيه ، وما تعلمه على مدى سنوات طوال ) عليه أن يراجعه، واذا قدم له أحد أو سمع دعوة جديدة أبهرته ،عليه أن يقف ويقَيم واذا اقتنع عليه أن يبدأ من جديد،

 

من هنا جاءت أهمية أن نفكر لأن التفكير هو الذى يعلن عن وجودنا ، والتفكير الصحيح هو الذى يجعلنا نولد من جديد ، والسؤال هل ندمر كل فكرنا القديم ؟! يقول دريدا الفيلسوف وهو فيلسوف يهودي فرنسي ولد في الجزائر عام 1930 ومات عام 2004 م  “إن البشر الذين نعيش معهم هم انفسهم وإن إختلفت الأسماء والأشكال ، الأب يريد الابن نسخة منه والابن يرى في الأب النموذج” والأستاذ يرى التلميذ نسخة منه والتلميذ يرى في الأستاذ النموذج. أجيال وراء أجيال في الكنيسة والمسجد والمدرسة والجامعة والمنزل، لا شك نحن نسير على خطى الأجيال السابقة.

 

فالتحدي الحقيقي هو ليس فقط أن نعيد أمجاد أباءنا وأساتذتنا، لكن أن نكرر أفكارهم مع فائض، بل كل الفائض، وهنا علينا أن نفرق بين كلمتين: الإعادة والتكرار.

وتعريف الإعادة هي: تطابق الوجود (وجود الإيمان المسيحي من ألفى عام ،والإيمان المسّلم من ألف وستمائة عام ووجود الأرثوذكسية من ستة عشر قرناً ووجود الكنيسة الإنجيلية المشيخية من 176 عام) كل هذا التاريخ مع حضور الجيل المعاصر نصنع أجيالاً طبق الأصل من بعضها البعض، وهذا يعنى التكرار، وهنا نقبل الاختلاف، ونجمد الكائن، ونبلد الفكر، ونقمع الخيال، ونجمد اللغة ونخشب الكلام فنكرس التقليد.

أما التكرار فهو ليس عودة المطابق أو إمتداده ما دام يٌحيد بالمكرر منحنى أخر، وهنا لا خوف على الهوية، إذ أن الجيل الجديد ينبثق من القديم في هوية متفتحة متجددة، وهنا ينبثق التجديد من عمق التقليد، من هنا تتجدد المؤسسة ولا تتجمد لان أجيالها الجديدة تأخذ قاعدتها وهويتها من الجيل السابق والأسبق، وهذا يسمح لكل جيل أن يردد القول القديم مرة أخرى أول مرة، أن نكون أبناء وأحفاد نفس العائلة نفس التسلسل لكننا مختلفين برؤى متجددة ولغة مرنة وقدرة على التعامل مع العصر.

 

والسؤال العملي كيف يستطيع جيل ما أن يحقق ذلك؟ وللإجابة على هذا السؤال استلهمه من مخطوط إنجيل قديم غير قانوني يٌنسب إلى يوحنا بن زبدي تلميذ المسيح، يحكي فيه يوحنا رؤيا أنه كان يقف باكياً أمام صليب ولم يكن الصليب من خشب بل من نور ولم يكن مصلوباً عليه رجل بعينه بل ألاف الرجال والنساء والشباب والصبايا بل والأطفال، الكل يصرخون ويتوجعون، إمتلأ التلميذ يوحنا بالرعب وهو عاجز عن تحديد أو تثبيت أي من الأشخاص العديدين، كان الجميع يتغيرون بإستمرار يركضون ويختفون، وكان بعضهم يعود مرة أخرى، وفجأة تلاشى الجميع ولم يبق على الصليب أي شيء إلا “صرخة”.

 

في ذلك الوقت كان يوحنا متحيرًا كيف يحقق الرسالة التي تسلمها من سيده؟ كيف يقنع الناس بالطريق الذي يجب أن يسلكوا فيه لينالوا الخلاص من الشر والإثم والفقر والجهل؟ من أين يبدأ ؟! وكيف ينتهي؟ وهنا سمع يوحنا صوتًا يقول له لكي تصل برسالتك إلى الناس عليك أولا أن تتعرف على سر صرخة الجيل الذي تعيش فيه، لان كل جيل له صرخته الخاصة، هي الإجابة على سؤال: ما هو مبرر وجودي؟ ما هو المعنى لوجودي وحياتي؟ إنها صرخة البحث عن الذات لاستمرار البقاء وصنع المستقبل.

 

ونحن عندما أسسنا هذا الــ website لم نؤسسه إلا لكي نتعرف معاً على سر صرخة الجيل الذى نعيشه في مصر والوطن العربي كله. وعندما نتعرف عليها نقوم نعمل معاً ونكون على إستعداد أن نموت لأجل تحقيقها ونحن لن نكل معكم حتى نجد الخلاص والحرية لا كأفراد فقط بل ككنيسة ووطن.