صفقة القرن والوعي بالتاريخ

منذ عدة سنوات ظهر مصطلح “الأمن الفكري ” وكان الغرض من تحقيقه أن يكون لطبقات الشعب العربي كافة نوعًا من القدرة على التمييز بين الغث والسمين في مواجهة الأفكار التي تعرض عليه أو يتعرض لها من خلال وسائل الإعلام كافة داخليًا وخارجيًا، وقد استهدف بالأمن الفكري الطبقات الاجتماعية والشرائح العليا في التأثير كرجال الحكم وأصحاب القرار السياسي بكل طبقاتهم ورجال الأمن ورجال الدين من أئمة المساجد وكهنة وقساوسة الكنائس والمدرسين والقيادات في كل مجال …. الخ، لكن تحقيق الأمن الفكري فشل لأنه ولد في ظل ظروف طارئة أو قل بسبب ظروف معينة كرد فعل للأعمال الإرهابية التي تقع من وقت لآخر، فقد كان مضمونه الأوحد والأساس هو مواجهة الفكر الجهادي والتكفيري، ولأن خطة ” الأمن الفكري” لم تتوسع لتشمل القرارات الإقليمية والعالمية الماسة بالمجتمع الوطني أو المحلى لبلد ما ، وكيفية مواجهتها من جماهيرها حتى تصبح واعية بما يقدم لها أو يطرح عليها ومحصنة من أي غزو ثقافي ، والقدرة على التمييز بين ما يضر وما ينفع ، لكن هذا التوجه فشل لأسباب عدة من أهمها تعريف وفهم ماذا يعنى الأمن الفكري؟ فأول وأساس الأمن الفكري هو الوعى بالتاريخ ، وبلا شك نحن لدينا إشكالية في تدوين تاريخنا العربي لان هناك شد وجذب بين الدولة الوطنية المحلية التي بدأت من بداية القرن التاسع عشر حتى عام 1940م والتي سبقت التاريخ العربي الشامل لكل البلاد العربية، وكانت الكتابة عن هذه الفترة والتأريخ لها من وجهة نظر الدولة العربية المحلية ، لذلك لا نجد اليوم معالجة واحدة شاملة متماسكة تهدف إلى إلقاء الضوء على تطور الفكر العربي ومدارسه ، هذا فضلًا عن أن المؤرخ العربي موظف عند الدولة العربية لذلك يكتب من وجهة نظر الدولة ، فقد رصد شفيق غربال التاريخ المصري بداية من محمد على الكبير 1805م ، وهكذا فعل عبد الله العروى في المغرب في نفس التوقيت تقريبًا.

ولقد حاول بعض المؤرخين العرب والعالميين أن يرصدوا تاريخ الدول العربية مجتمعة على أساس تجميع الوثائق التاريخية، إلا انه ثبت انه من المستحيل أن تحصل على وثيقة حقيقية من أي دولة عربية. لذلك هناك تدهور في كتابة التاريخ عند العرب.

وفى هذا المناخ فوجئ العالم العربي بما دعىَ بالربيع العربي، وكان هدف الربيع العربي الشامل هو إنشاء دولة حديثة تشابه الدول الأوروبية الديموقراطية لكن بصيغة عربية، لكنهم صُدموا بما جرى بإنتفاض الفكر الأصولي الذي سيطر على الوطن العربي بالقفز فوق الانتفاضات التي تطالب بالحرية والمساواة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وهكذا سقط الربيع العربي أمام التيار الديني الذي تغلغل وانتشر خلال الحكومات العسكرية من الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي على طول وعرض الوطن العربي.

ولقد كان العصر الذهبي للوطن العربي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث حمل مشروعًا عربيًا متكاملًا، ولا أحد يشك في إن الأمة العربية أمة قائمة، لكن لم تعي هذه الأمة انه قد نشأت داخلها حركات لا تؤمن بوجود وكيان عربي شامل، وذلك لان دول الخمسينات والستينات لم تطور ذاتها ولم تتحول بالتدريج إلى الديموقراطية والأحزاب الحقيقية التي تعبر عن هذه المجتمعات، وعندما فشلت هذه المجتمعات إنفجر بركان الربيع العربي لكن هذا الانفجار لم ينجح لسببين الأول الحركات الأصولية التي قفزت على الثورات والثاني التدخل الخارجي. من هنا نستطيع القول إن محمد مرسي جاء نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة هدفها إنشاء مجتمعات حديثة تؤمن بالدين لكن له مجاله الخاص به، وبالسياسة التي لها مجالها الخاص بها والتأكيد على عدم الخلط بينهما.

وهكذا فشل الربيع العربي بظهور التيار الأصولي للسيطرة على دولة الخمسينات والستينات، وهنا قامت المؤسسات العسكرية في الجزائر وتونس ومصر وليبيا والسودان …. الخ، بحسم الأمور حيث كانت هي الملجأ الأخير لحماية الدولة الوطنية (حلم الخمسينات والستينات) وهذه المرحلة (مرحلة الجيوش) لابد وأن تنتهي إن أجلًا أو عاجلًا لتأتى الديموقراطية الحقيقية، فالديموقراطية هي البرنامج الوحيد المطروح في العالم كله وهناك نوعان من الديموقراطية يكملان بعضهما البعض ولا ينفصلان، الديموقراطية الليبرالية التي تطور المجتمع سياسيًا واقتصاديًا، والديموقراطية الاجتماعية التي تطبق الديموقراطية بحذافيرها وأبعادها على الأرض من أحزاب وانتخابات ومساواة وعدالة ، من هنا نستطيع القول إننا ونحن بهذه الحالة التي نعيشها كوطن عربي، فوجئنا بصفقة القرن فكان الرفض المطلق من الفلسطينيين لأي حوار، وقد ثبت أن العلاقة بين العرب والفلسطينيين علاقة بلا قواعد واضحة فهي ( عاطفية اكثر منها سياسية ) وعندما نقول عاطفية فنحن نعنى مزيج من القبول والرفض، من الحب والكراهية، من الهواية والاحتراف … الخ .

من هنا نحن كوطن عربي لا نمتلك سياسة موحدة في مواجهة السياسة العالمية تجاه الوطن العربي، فهناك مشترك يجمعنا معًا من أهمها الوطن الذي نعيش فيه بأراضيه، وبالطبع الدين واللغة والعادات والتقاليد …. الخ. وهي الدروس التي علموها لنا في مرحلة الابتدائي، وكان لابد أن تكون لنا خطوطًا عريضة لسياسة موحدة نواجه بها العالم في معظم الأمور التي تهمنا كعرب، مثلًا من المبادئ الأولية بهذا الشأن انه لا تنفرد دولة ما بالإدلاء برأيها في موضوع يهم الوطن العربي قبل أن يتم إجتماع لمناقشة الأمر من ناحية قبوله أو رفضه. لقد كانت ردود فعل العرب على الطرح الأمريكي لحل القضية الفلسطينية مثيرًا للشفقة والتعاطف كالعادة، حيث كانت ردود الأفعال قبل القيام بدراسة الأمر وهو ما يحدث دائمًا، لقد عبر ترامب عما يفعله العرب في مواجهة مثل هذه الأمور تعبيرًا دقيقًا جدًا حيث صرح “أنهم سوف يرفضون المشروع في البداية لكنهم سيقبلونه في النهاية”. إعتقد البعض أن هذه العبارة إهانة للفلسطينيين والعرب لكن أراها تعبر تمامًا عن واقعنا وإذا كنت – عزيزي القارئ – تختلف معي فلنعيد قراءة التاريخ معًا بهدوء شديد منذ ما قبل حرب 1948 م وحتى اليوم. ولنرى في ضوء ذلك هل ترامب كان على حق أم على باطل في فهمه لحالتنا، أم نحن الفاهمون لترامب؟!.