وسائل الإقناع

في حوار إبن رشد مع يوحنا فم الذهب عن وسائل الإقناع يقول: هناك ثلاثة طرق للإقناع:الأول هو الطريق الخطابي العاطفي وهذا الخطاب يركز فيه الخطيب على حركات جسده وملامحه فيستخدم يديه وقدميه ورأسه وعينيه ،ويعرف متى يصرخ ومتى يهدأومتى يضحك ومتى يبكي؟يحرك الناس بانفعالاته وحركاته وعادة يكون هذا يستهدف مشاعر الناس وليس عقولهم ،وتراهم وهم يصغون بإنبهار وكأن على رؤوسهم الطير ،يجهشون بالبكاء تارةويضحكون تارة أخرى،ويخرجون من أمام الداعية وقد فرغوا شحنة عاطفية،لكن لم يوضع في عقولهم معنى جديد عميق يغير نظرتهم للحياة،لكن المتكلم يوحي لهم بذلك فيظنون أنهم أخذوا جديدًا لكن لو فكروا للحظة لإكتشفوا أنه ذات الكلام بمفردات أخرى. أما الطريق الثاني للإقناع فيطلق عليه ابن رشد الطريق الخطابي الجدلي وهنا يركز الخطيب على الجدل أي يطرح مسألة ثم يجادل فيها بمعنى يقول الأراء التي تؤيد الفكرة ويشرحها ويدافع عنها ثم يقول الرأي المخالف أوالأراء التي تدحضه ويناقشها أيضًاويصور أمام الناس أن هناك من يقول كذاونحن نقول له أسكت هذا خطأ وغير فقهي وآخر يقول كذا ونقول له أحسنت ..وهكذا مجادلة متخيلة دون جدل حقيقي مع الناس.أما الطريق الثالث في الإقناع فهو الطريق البرهاني المنطقي حيث يقوم الخطيب بتقديم تفسيره للآيات ثم يقدم براهين منطقية عقلانية فلسفية تملأ عقول المستمعين بمعرفة جديدة أو بأعماق جديدة لما يعرفونه.

في النهاية يتحدث ابن رشد عن نوعين من العقول التي تتصدى للتأويل،العقل الفعال المجدد والعقل المنفعل ، وينصح الذين يحملون مسؤلية التأويل والوعظ أن يكونوا أصحاب عقول فعالة لا منفعلة،وكذلك ينصح أصحاب العقول المفعول بها أن يقرأون أو يستمعون لهم سواء في أماكن العبادة أو في الشوارع والمنتديات أن يختاروا الفقيه صاحب العقل الفعال وينفضوا من حول الخطيب صاحب العقل المنفعل لأن الأول سيضيف إلى عقولهم أما الثاني فسوف يضيع أوقاتهم ومع الزمن تضيع حياتهم وسط قشور فقهية وتفسيرية وعواطف تريحهم مؤقتًا وعندما يدمنونها تدمرهم ثقافيًا.

هل الحرية حقيقة أم وهم؟

و إفترضنا جدلاً أننا إتجهنا في سيرنا نحو الشمال، فإنه مهما سعينا وقطعنا مسافات لن نرى قرص الشمس لأننا في كل تحركاتنا نسير عكسها،وهذا يتضح لمن يسافرون أمريكا أو كندا فهم يقطعون في الطريق ١٦ ساعه إلى ٢٠ أو أكثر ويصلون في نفس اليوم قبل غياب الشمس والعكس صحيح عند عودتهم يقطعون نفس المسافة ونفس عدد الساعات لكنهم يصلون في اليوم التالي لسفرهم،ذلك المثال ينطبق تمامًا على حال الإنسان مع الحرية، فهو في كل أعماله وأفعاله يبتعد عنهابدلًا من أن يقترب منها،كما يتهيأ أو يترآى له بين لحظه وأخرى، فهو يظن في كل ما يفعله أنه حر أو يتجه نحو حرية كاملة،وما هذا إلا سراب يظنه الغشيم حقيقة، ولذلك يقول العارفون(بالذات الإنسانية):”إن الحجاب الذي عليك هو منك” ويقصدون بذلك إن ما يجري خلفه الإنسان مثل السعادة والحب والخلود ومن قبلهم الحرية، هي ليست خارجه ليبحث عنها-كما يظن- بل هي داخله وللوصول إليها يقول السائرون في دربها”لو زال منك الأنا لاح لك من أنا”،إذن الأنا أو الذات هي سبب شقاء الإنسان وضياعه. فترى ما هي “الأنا”؟أو الذات؟وهل تولد معنا أم تتشكل بعد ولادتنا؟ وهل هي حقيقة أم إفتراض فرض علينا من آخرين؟أم هي (الذات)تولد معنا حرة لكن خطوط الطول والعرض الكونية تحكمها حتى لا تنطلق والحدود السياسية حقائق راسخة بدساتير وقوانين تقمعهاوالحدود الإجتماعية(العقد الإجتماعي)الذي تحدث عنه جان جاك روسو أن يتنازل الإنسان عن بعض حريته مقابل الأمن والأمان،ذلك الأ من الذي يوفرونه له ، ولعلنا في مصر نردد كثيرًا هل نختار حريتنا أم أماننا،ومن الناحية الدينية تسمى الدوجما والأصولية الدينية التي تصادر حرية الفكر،وتحدد ما يقال وما لا يقال.

وهكذا نولد أحرارًا وننطلق في طفولتنا ظنًا منا أن الروح التي داخلنا ستظل حره وعندما نكبر نجاهد طالبين حرية سياسية وحرية إجتماعية وحرية دينيةفهل هذه حقائق يمكن تحقيقها على أرض الواقع أم مجرد فرضيات مؤقتة غير قابلة للتحقيق ؟

وإن كانت فرضيات يستحيل تحقيقها لماذا توجد فروق واضحه بين الشعوب في درجة تحقيقها؟

تفكير أم إعادة تدوير

ما الفارق الحقيقي بين من نطلق عليهم(المفكرون) وببن غيرهم الذين يدعون التفكير؟ من السذاجةأن نطلق على كل من يستطيع أن يعبر عن نفسه بطريقة أو أخرى أنه مفكر فكثيرون يعبرون عن أنفسهم بصورة مبدعة وخلاقة سواء بالكتابة أو الشعر أو الموسيقى أو الخطابة. وهناك من يستطيعون تحربك الجماهير بالعشرات والمئات والألاف فهل هؤلاء من المفكرين؟ الحقيقة نحن نحتاج الى وقفة حتى نستطيع أن نميز من هو المفكر الحقيقي بغض النظر عن التأثير الجماهبري أو الإعلامي لا شك أن الأنبياء والرسل الذين ظهروا في التاريخ البشري كانوا من المفكرين، كذلك كانوا الفلاسفة العظام في عصورهم ومرت الأجيال التي تسلمت من هؤلاء وأولئك وصارت الرسالات الموحى بها من المسلمات وهكذا أيضا الأديان غير السماوية التي بنيت على أفكار فلسفية روحية مثل البوذية والكونفوشوسية والشنتو… الخ صارت مسلمات عند أتباعهم وكذلك النظريات الفلسفية والسياسية مثل الرأسمالية والشيوعبة والوجودية …..الخ صارت أيضأ من المسلمات عند أتباعهم ومريدبهم وصارت كل هذه المسلمات بمثابة الأساس الذي يقوم علبه البناء النفسي والعقلي للمليارات من البشر حيث أنها تغلغلت في داخل أتباعها وصارت تحركهم بطريقة آلية في تصنيف أنفسهم والمختلفين عنهم وهكذا ظهرت مصطلحات مثل التكفير والإزدراء والاحتقار والحروب والقتل الجماعي للمختلفين سواء بالمعنى الحرفي أو المعنوي هذا على المستوى الديني أو الطائفي داخل الدين الواحد فالحوار الذي دار بين البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية والبابا تاوضروس بابا الكنيسة الأرثوذكسبة وتم الاتفاق على توحيد المعمودية قوبل بالرفض الشديد من معظم قادة وشعب الكنيسة الأرثوذكسية المصرية وكان هذا خير تعبير على تقديس المسلمات التي تم بناء عليها التكوين النفسي والعقلي للبشر التابعين . وهذا ماتم في عملية إغتيال أكثر من٢٥٠ انسان مسلم مسالم موحد بالله ويتبع الرسول يصلون الجمعة جماعة وهذا لا معنى له سوى أن القتلة سبق وبنيت عقولهم وأنفسهم بناء دينيا خاطئا على مسلمات قبلوها دون تفكير .

وهنا علينا أن نعرف ما ومن هو المفكر ومن وما هو غير ذلك إن أول إنطلاقة للمفكر هي أن عليه أن يسأل ذاته سؤالا هاما ترى ماهي المسلمات التي تكون بنائي النفسي والعقلي؟ وكبف أحددهما؟ وكيف أضع هذه المسلمات أمامي بعد تعريفها وأحتويها أي أضعها في وداخل محيط تفكيري بعد أن كان عقلي هو الذي في محيطها يأتمر بها دون حوار معها بمعنى ألا أدعها تتحكم في عقلي مانعة إياه من التفكير في محتواها كإنسان مفكر بل أن أحرر عقلي الذي وهبني الله إياه لأعيد التفكير به في هذه المسلمات فعقلي هو أداة التمييز عندي وهو يعرفها من زمان طويل بعمق شديدوهو الذي وافق على تبعيتها بشرط ألا أتبعها كا ألامعةأو كاالأعمى. إن التدريب على مثل هذه العملية أمر شاق جدأ لذلك أقلية من البشر هم الذين يمارسونها لكنها بلا شك هي نقطة بداية أو لحظة ولادة المفكر، إنها عملية تحتاج الى عمل دؤوب وجهد متواصل والذي تكون نتيجته التحكم الفكري الناضج في المسلمات كبديل ضروري لتحكمها في عقلية ونفسية الإنسان الذي قرر أن يكون مفكرا واعيا والتحكم هنا يعني ببساطةشديدة هي أن نرى هذه المسلمات وأن نعيها أي أن ننقلها من مستوى اللاوعي أو اللاشعور (من ريموت كنترول يتحكم في تصرفاتي)حيث العتمه والظلام الى مستوى الوعي والشعور حيث الضوء ضوء النهار الفكري وإمكانية التعامل معها. وهذا الفارق نراه واضحا عند إثارة قضية ما على الفيسبوك فنجد تعليقاتا تقليدية تأتي من داخل البشر في منتهى الإخلاص نابعة من اللاشعور لذلك يبدو وكأن شعاع الضوء الذي أثاره المقال أو البوست قد أقلق اللاشعور وجعله يستيقظ لأنه يدعوه لإعادة التفكير في موضوع ناقشه الأجداد وتلقاه هو في زمن ما أو لحظه بعينها وألقاه في اللاشعور واستراح وهكذا يردد ماألقاه من زمن داخله ليعود الى راحته واسترخاءه.

معظم الناس في عالمنا الحديث والذين تعاملت معهم على مدى نصف قرن من الزمان لا يدركون بل لا يعلمون بوجود هذا الصراع أو المعاناة من حيث المبدأ، فكيف لهم أن يتجاوزوه أكبر وأعمق مثال لذلك هم شباب ثورة 25 يناير أولئك الذين استيقظوا فجاءة على إسقاطهم مسلمة كامنة في اللاشعور(مسلمة رئاسة مبارك والرؤساء السابقين له) دون أن يقصدوا ذلك فانتقلوا بسرعة شديدة لإسقاط باقي المسلمات ونقلوها من ظلام اللاشعور الى نور الشعور وهنا أصبحوا في أعين المستسلمين للاشعورهم متمردين خارجين عن الدين والملة والعقيدة والدولة لا لشئ إلا لأنهم أخرجوا مسلما تهم من ظلام اللاشعور الى نور الشعور وأرادوا الحوار حولها ومازالت هذه المعضلة بين شباب الثورة من ناحية وبين الدولة والمؤسسة الدينية والأجيال التقليدبةالسابقة لهم من الناحية الأخرى لم تحل حتى يومنا هذا.

هنا علينا أن نسأل: ترى ماهي ألأساسات التي يرتكز عليها عقلنا الواعي؟ إذا سألت- عزيزي القارئ- هذا السؤال صادقا مع نفسك هنا تبدأ عملية التفكير الصحيح. ومن دون هذه النقلة النوعية لا يعدو الأمر أن يكون مجرد إعادة تدوير وتراكم لا نتيجة منه ولا طائل.يقول أحد حكماء الهنود المعاصرين”إن البشرية توقفت عن التفكير منذمئات إن لم تكن ألاف السنين، فما هي التقنية التي يمكن أن تساعدنا في إنجاز هذه النقلة النوعية – ليس كأفراد فهناك أقلية من الأفراد يفعلون- وذلك للوصول إلى مرحلة التفكير السليم كمجتمع عالمي ومصري محلي ناهض”.

Shares
Share This