صفقة القرن والوعي بالتاريخ

منذ عدة سنوات ظهر مصطلح “الأمن الفكري ” وكان الغرض من تحقيقه أن يكون لطبقات الشعب العربي كافة نوعًا من القدرة على التمييز بين الغث والسمين في مواجهة الأفكار التي تعرض عليه أو يتعرض لها من خلال وسائل الإعلام كافة داخليًا وخارجيًا، وقد استهدف بالأمن الفكري الطبقات الاجتماعية والشرائح العليا في التأثير كرجال الحكم وأصحاب القرار السياسي بكل طبقاتهم ورجال الأمن ورجال الدين من أئمة المساجد وكهنة وقساوسة الكنائس والمدرسين والقيادات في كل مجال …. الخ، لكن تحقيق الأمن الفكري فشل لأنه ولد في ظل ظروف طارئة أو قل بسبب ظروف معينة كرد فعل للأعمال الإرهابية التي تقع من وقت لآخر، فقد كان مضمونه الأوحد والأساس هو مواجهة الفكر الجهادي والتكفيري، ولأن خطة ” الأمن الفكري” لم تتوسع لتشمل القرارات الإقليمية والعالمية الماسة بالمجتمع الوطني أو المحلى لبلد ما ، وكيفية مواجهتها من جماهيرها حتى تصبح واعية بما يقدم لها أو يطرح عليها ومحصنة من أي غزو ثقافي ، والقدرة على التمييز بين ما يضر وما ينفع ، لكن هذا التوجه فشل لأسباب عدة من أهمها تعريف وفهم ماذا يعنى الأمن الفكري؟ فأول وأساس الأمن الفكري هو الوعى بالتاريخ ، وبلا شك نحن لدينا إشكالية في تدوين تاريخنا العربي لان هناك شد وجذب بين الدولة الوطنية المحلية التي بدأت من بداية القرن التاسع عشر حتى عام 1940م والتي سبقت التاريخ العربي الشامل لكل البلاد العربية، وكانت الكتابة عن هذه الفترة والتأريخ لها من وجهة نظر الدولة العربية المحلية ، لذلك لا نجد اليوم معالجة واحدة شاملة متماسكة تهدف إلى إلقاء الضوء على تطور الفكر العربي ومدارسه ، هذا فضلًا عن أن المؤرخ العربي موظف عند الدولة العربية لذلك يكتب من وجهة نظر الدولة ، فقد رصد شفيق غربال التاريخ المصري بداية من محمد على الكبير 1805م ، وهكذا فعل عبد الله العروى في المغرب في نفس التوقيت تقريبًا.

ولقد حاول بعض المؤرخين العرب والعالميين أن يرصدوا تاريخ الدول العربية مجتمعة على أساس تجميع الوثائق التاريخية، إلا انه ثبت انه من المستحيل أن تحصل على وثيقة حقيقية من أي دولة عربية. لذلك هناك تدهور في كتابة التاريخ عند العرب.

وفى هذا المناخ فوجئ العالم العربي بما دعىَ بالربيع العربي، وكان هدف الربيع العربي الشامل هو إنشاء دولة حديثة تشابه الدول الأوروبية الديموقراطية لكن بصيغة عربية، لكنهم صُدموا بما جرى بإنتفاض الفكر الأصولي الذي سيطر على الوطن العربي بالقفز فوق الانتفاضات التي تطالب بالحرية والمساواة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وهكذا سقط الربيع العربي أمام التيار الديني الذي تغلغل وانتشر خلال الحكومات العسكرية من الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي على طول وعرض الوطن العربي.

ولقد كان العصر الذهبي للوطن العربي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث حمل مشروعًا عربيًا متكاملًا، ولا أحد يشك في إن الأمة العربية أمة قائمة، لكن لم تعي هذه الأمة انه قد نشأت داخلها حركات لا تؤمن بوجود وكيان عربي شامل، وذلك لان دول الخمسينات والستينات لم تطور ذاتها ولم تتحول بالتدريج إلى الديموقراطية والأحزاب الحقيقية التي تعبر عن هذه المجتمعات، وعندما فشلت هذه المجتمعات إنفجر بركان الربيع العربي لكن هذا الانفجار لم ينجح لسببين الأول الحركات الأصولية التي قفزت على الثورات والثاني التدخل الخارجي. من هنا نستطيع القول إن محمد مرسي جاء نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة هدفها إنشاء مجتمعات حديثة تؤمن بالدين لكن له مجاله الخاص به، وبالسياسة التي لها مجالها الخاص بها والتأكيد على عدم الخلط بينهما.

وهكذا فشل الربيع العربي بظهور التيار الأصولي للسيطرة على دولة الخمسينات والستينات، وهنا قامت المؤسسات العسكرية في الجزائر وتونس ومصر وليبيا والسودان …. الخ، بحسم الأمور حيث كانت هي الملجأ الأخير لحماية الدولة الوطنية (حلم الخمسينات والستينات) وهذه المرحلة (مرحلة الجيوش) لابد وأن تنتهي إن أجلًا أو عاجلًا لتأتى الديموقراطية الحقيقية، فالديموقراطية هي البرنامج الوحيد المطروح في العالم كله وهناك نوعان من الديموقراطية يكملان بعضهما البعض ولا ينفصلان، الديموقراطية الليبرالية التي تطور المجتمع سياسيًا واقتصاديًا، والديموقراطية الاجتماعية التي تطبق الديموقراطية بحذافيرها وأبعادها على الأرض من أحزاب وانتخابات ومساواة وعدالة ، من هنا نستطيع القول إننا ونحن بهذه الحالة التي نعيشها كوطن عربي، فوجئنا بصفقة القرن فكان الرفض المطلق من الفلسطينيين لأي حوار، وقد ثبت أن العلاقة بين العرب والفلسطينيين علاقة بلا قواعد واضحة فهي ( عاطفية اكثر منها سياسية ) وعندما نقول عاطفية فنحن نعنى مزيج من القبول والرفض، من الحب والكراهية، من الهواية والاحتراف … الخ .

من هنا نحن كوطن عربي لا نمتلك سياسة موحدة في مواجهة السياسة العالمية تجاه الوطن العربي، فهناك مشترك يجمعنا معًا من أهمها الوطن الذي نعيش فيه بأراضيه، وبالطبع الدين واللغة والعادات والتقاليد …. الخ. وهي الدروس التي علموها لنا في مرحلة الابتدائي، وكان لابد أن تكون لنا خطوطًا عريضة لسياسة موحدة نواجه بها العالم في معظم الأمور التي تهمنا كعرب، مثلًا من المبادئ الأولية بهذا الشأن انه لا تنفرد دولة ما بالإدلاء برأيها في موضوع يهم الوطن العربي قبل أن يتم إجتماع لمناقشة الأمر من ناحية قبوله أو رفضه. لقد كانت ردود فعل العرب على الطرح الأمريكي لحل القضية الفلسطينية مثيرًا للشفقة والتعاطف كالعادة، حيث كانت ردود الأفعال قبل القيام بدراسة الأمر وهو ما يحدث دائمًا، لقد عبر ترامب عما يفعله العرب في مواجهة مثل هذه الأمور تعبيرًا دقيقًا جدًا حيث صرح “أنهم سوف يرفضون المشروع في البداية لكنهم سيقبلونه في النهاية”. إعتقد البعض أن هذه العبارة إهانة للفلسطينيين والعرب لكن أراها تعبر تمامًا عن واقعنا وإذا كنت – عزيزي القارئ – تختلف معي فلنعيد قراءة التاريخ معًا بهدوء شديد منذ ما قبل حرب 1948 م وحتى اليوم. ولنرى في ضوء ذلك هل ترامب كان على حق أم على باطل في فهمه لحالتنا، أم نحن الفاهمون لترامب؟!.        

        

ستيفن هوكينج وانتصار العقل

ستيفن هوكينج وانتصار العقل

ولد ستيفن هوكينج فى نفس اليوم الذى ولد فيه جاليلو قبل ثلاثمائة عام. فى الحادية والعشرين من عمره أصيب ستيفن هوكينج الشاب الإنجليزى الواعد بمرض عصبى يُدعى «التصلب الضمورى العضلى الجانبى» وقد أبلغه الأطباء أن حياته على كوكب الأرض لن تستمر أكثر من سنتين لكن عزيمته التى لا تلين جعلته يتحدى هذا المرض الذى ألزمه أن يجلس على كرسى متحرك معظم سنوات حياته التى امتدت إلى ستة وسبعين عاما. هذا الجسد المريض الذى لم يكن قادرا على التعبير عن نفسه من خلال حواسه الطبيعية وعاش أسيرا لكرسى متحرك حتى وفاته يوم الأربعاء 14 مارس 2018، لم يقتصر أمره على الكرسى المتحرك فقط لكنه أصبح عاجزا حتى عن النطق فاضطر إلى أن يعبر عن نفسه من خلال جهاز إلكترونى يبث منه إنتاج عقله المشع بذكاء فائق الوصف ويتواصل مع الناس بتحريك حاجبيه.

لقد كان ستيفن هوكينج التعبير الواضح للقوة الخارقة لإرادة الإنسان عندما تواجه هذه الإرادة تحديات مستحيلة، ولقد تعودنا فى الشرق وخاصة فى بلادنا أنه فى مثل هذه الحالات أن نتطلع إلى معجزة من السماء لُيشفى المريض، وقد استغل هذا الأمر وبسبب الأمية والجهل والتغييب بعض من البشر الذين يدَّعون قدرتهم على صنع المعجزات من خلال الإتيان بخوارق وقد سقط الكثير من البسطاء فى حبائل مثل هؤلاء. لكن هذا الرجل لم يطلب من أحد ما أن يصنع له معجزة ولم يستسلم لمصيره المظلم واستخدم عقله بصورة مذهله فقدم للبشرية من خلال شغفه بعلم الفيزياء الحديث إنجازات هائلة يساويه بها العلماء المتخصصون فى هذا العلم بأنه ينافس أعاظم العلماء عبر التاريخ نظير نيوتن وأينشتاين.

ولقد دفعه مرضه هذا لتبنى اتجاهين فى الحياة الاتجاه الأول إنسانى والآخر علمى. ولنبدأ بالإنسانى قال عنه ابناه وبالطبع تستغرب ــ عزيزى القارئ ــ كيف لمثل هذا الشخص أن يكون له أبناء، لكنه حدث. لقد كان مغرما بالنساء تركته (أم العيال) لأن سكرتيرته الجميلة أحبته، وهى تصغره بعشرات السنين، وكانت تحركه بكرسيه وتسافر معه وهى التى صارحته بحبها وتزوجا. يقول أبناؤه عنه نشعر بحزن عميق لوفاة أبينا الحبيب وأبدوا إعجابهم بعلمه وبروح الدعابة التى تميز بها وكانت مصدرا لإلهام الكثيرين وخاصة المعوقين منهم فى كل العالم حيث كانوا يتبادلون معه السخرية والنكات على إعاقاتهم.

لقد كان هوكينج متبنيا قضايا إنسانية فقد انضم لمسيرة ضد حرب فيتنام عام 1968، ووصف غزو العراق عام 2003 بأنه جريمة حرب، ورفض المشاركة فى مؤتمر علمى بإسرائيل بسبب سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين؛ وذلك بانسحابه من المؤتمر عندما اكتشف أنه تحت رعاية شيمون بيريز فى يونيو 2013، ثم انضم إلى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل.

أما الاتجاه الثانى وهو العلمى فلقد تحدى هوكينج نفسه حيث دفعه هذا المرض للعمل بجدية أكبر حيث ترك أينشتاين صاحب نظرية النسبية وأشهر عالم فيزياء فى التاريخ معضلة الثقوب السوداء الموجودة فى الكون بلا حل أو تفسير، فبدأ هوكينج البحث فى أصل الكون وعالم الجسيمات فى ذلك الفضاء الفسيح وانشغل بقضية الانتقال عبر الزمن فى الكون اللا نهائى وكشف الغموض حول الثقوب السوداء.

فى عام 1988 أصدر كتابا بعنوان «تاريخ موجز للزمن» وقد لقى هذا الكتاب ترحيبا جماهيريا رغم صعوبة الموضوع العلمى الذى تناوله، وأعلنت جريدة الصنداى تايمز أن الكتاب بقى يحوز لقب أفضل الكتب مبيعا لمدة لا تقل عن أربع سنوات. وفى تعليقه على هذا الكتاب قال: إنه كتبه ليجعل القراء الذين يملون الحديث عن علوم الفضاء وأصل الحياة على الأرض وتمدد الكون ــ هذه المصطلحات غير المفهومة فى معظمها للقارئ العادى ــ ينفعلون معه بحركة الكون ويدركون الفضاء الفسيح، بل ويكون لديهم الشغف الدائم لاكتشاف الكون وفهم أسراره. وقال أردت أن يباع كتاب فيزيائى عن الكون وتعقيده فى أكشاك باعة الصحف فى المطارات، ويقول «لقد اختبرت هذا الكتاب مع فريق التمريض فى المستشفى المقيم به وأعتقد أنهم فهموا معظمه».

فن صناعة الوعي الغبي

منذ أن بدأت ثورات الربيع العربى عام 2011 حتى اليوم، لم تهدأ شوارع العراق واليمن ولبنان والسودان وليبيا… إلخ. وفى تتبعنا لمن يقومون بتحليل هذه الثورات من خلال المقالات المكتوبة والأبحاث والتعليقات والبرامج التلفزيونية، نستطيع أن نرصد ومعنا معظم المحللين الأمناء، أن هناك تراجعًا واضحًا لشكل معين من الرأى العام السياسى، حيث افتقد للعمق التحليلى الأكاديمى المحترف، فضلًا عن افتقاده للبعد التاريخى والفلسفى والمجتمعى. وفى محاولة لتفسير هذه الظاهرة نستطيع أن ندرك أن ذلك قد حدث بسبب تدخل استخبارات هذه الدول فى هذه التحليلات. ولكى نكون واقعيين وأمناء فإن هذا لم يحدث فقط فى منطقتنا بل فى دول أوروبا أيضًا وذلك كرد فعل للهجمات الإرهابية والتى كانت من نتيجتها تحويل مراكز الأبحاث بالجامعات إلى دكاكين ملحقة بأجهزة الاستخبارات فى شكل مباشر أو غير مباشر؛ إذ يكفيك ــ عزيزى القارئ ــ أن تتبع عدد الأدبيات الصادرة حول قضايا لها علاقة بالثورات من ناحية والإرهاب من الناحية الأخرى، مع عدد المشاريع التى تمولها الدول فى هذا المجال، لتعرف قوة وعمق وزخم التحول الدراماتيكى الذى يعصف بأسس الثقافة الأصيلة فى بلدان الشرق والغرب.

ولا شك أن أحد الأسباب المهمة لذلك فى شرقنا العزيز يعود إلى حدوث ضعف أكاديمى ومهنى شديد ألم بمثقفينا الحاليين مقارنة بحقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى. حيث كان محمد حسنين هيكل، ومحمد التابعى، وموسى صبرى، ويوسف إدريس… إلخ. وبينما هؤلاء العمالقة يصولون ويجولون بتحليلاتهم السياسية التى تتجاوز حدود مصر إلى الشرق الأوسط بل أحيانًا إلى العالم، حدث نوع من الانهيار الذى أصاب التعليم والآداب والفلسفة والتحليل وأيضًا أصاب الفنون بكل فروعها… إلخ. وجاء ذلك نتيجة مجانية التعليم والسخرية من المعلمين والمفكرين والمثقفين… إلخ، سواء من خلال المسرحيات والأفلام والمسلسلات أو الأغانى الهابطة، ثم اجتياح الفكر الدينى المتطرف بقرارات فوقية. أما فى الغرب فالسبب يرجع إلى سيطرة تيار النيوليبرالية والذى امتد إلى المجال الثقافى والإعلامى، حيث لم تكتف بالسيطرة على الاقتصاد والسياسة بل امتد هذا التيار إلى كل المجالات. هذا فضلًا على أن هناك ضعفًا أصاب الفكر الغربى حيث كان التطور الأكبر باتجاه «العلم» الأكاديمى النظرى على حساب نقد المجتمع وتحليل ظواهره ومكوناته… إلخ. هذا الوضع فتح المجال على مصراعيه لمختلف أشكال الفوضى والغوغائية والتى نرصدها اليوم فى البرامج الإذاعية والتلفزيونية وقوائم الكتب الأكثر مبيعًا سواء فى الشرق أو الغرب، وإن اختلفت الأسباب والمعطيات.

قال لى أحد المثقفين الأوروبيين إن قائمة الكتب التى تنشر ويتهافت عليها الشباب وتحتل قمة قائمة المبيعات اليوم لم تكن من الممكن نشرها من ثلاثين عامًا، بل لم يكن يُنظر إليها كأدب أو فكر.. وهكذا يبدو أن السوق ابتلعت فى طريقها كل شيء وليس الأدب وحده. والتهديد اليوم هو ابتلاع النظام الديمقراطى نفسه لأن السوق لم تعد مرادفًا أو معضدًا أو موازيًا للحرية كما كان من قبل، بل تحول إلى عقبة حقيقية أمامها. وعلينا فى هذه الحالة أن نستعيد مقولة «إيمانويل كانط» الخالدة فى مواجهة الأفكار والأقوال والفنون التافهة: «الاستخدام العمومى للعقل» وما أراد كانط قوله هو مشابهة بين استخدام العقل كمقلب أفكار تافهة وبين مقلب نفايات عمومى يستخدم لقضاء الحاجة. بالطبع عزيزى القارئ تستطيع أن تدرك معنى العمومى هنا، وبالطبع حالتنا فى الشرق الأوسط إن لم تكن أسوأ فهى ليست أفضل.. لذلك ارتفعت أصوات فى أوروبا تنادى بمنع تحول الأقليات والمهاجرين إلى قوة ثقافية خاصة فى ألمانيا، بدلًا من أن ترتفع للمطالبة بحماية التعددية التى ميزت دائما الفضاء العام هناك. قلت إننا فى الشرق الأوسط سبقنا أوروبا فى هذا الشأن فالأقليات لدينا من مسيحيين ويهود وبهائيين ونوبيين… إلخ، لا يُسمح لهم أن يكونوا قوة ثقافية، وذلك بداية من سبعينيات القرن الماضى رغم أن هناك محاولات جادة خاصة فى مصر لتصحيح الموقف.

إن وسائل الإعلام فى الشرق الأوسط وأوروبا اليوم تقوم بدور المحرض على الهشاشة الثقافية والأدبية وقد تحول الفضاء العام نفسه إلى سلعة، لقد اختفى منذ زمن المثقفون أصحاب الثقل سواء فى الغرب أو الشرق وهؤلاء كان لديهم القدرة على بناء رأى عام نقدى، وجيل مستنير ضد أنصار الظلامية الثقافية والدينية، لكن فلاسفة عصرنا انسحبوا لأنهم صاروا أقلية وغير مسموح لهم بالحديث، وإذا تحدثوا فهم غير مسموعين من الجماهير، لذلك اختاروا الابتعاد عن الرأى العام وانحصروا فى مجالات أكاديمية ضيقة.

لقد أصبحنا اليوم فى الشرق الأوسط وأوروبا من الصعب علينا التفريق بين الفيلسوف والصحفى المبتدئ، وإذا اتفقنا أننا وصلنا إلى هذه النقطة بالذات فنحن هنا أمام ما يطلق عليه «فن صناعة الوعى الغبى». لكن ربما تسألنى ــ عزيزى القارئ ــ ماذا أقصد بالوعى الغبي؟! هنا أستعير تعبير عالم السياسة الألمانى «هنفريد مونكلر» فى مقابلة تلفزيونية معه عندما قال (هناك قطاعات واسعة من الشعب، لا تتوافر لديها معرفة حقيقية ولا تبذل جهدًا لتحقيق ذلك، ومع ذلك فهى تعتقد وتتحدث فى جلساتها الخاصة والعامة وفى وسائل الإعلام وبثقة شديدة أنها «تعرف بالضبط ما الذى يحدث وما الذى سوف يحدث؟!»)… عندما سمعت هذه الكلمات قلت وكأن هذا الرجل يعيش بيننا، إنه تشخيص حقيقى وواقعى لما نحن نعانى منه. بلا شك أنك تتفق معى ــ عزيزى القارئ ــ أن هناك ثقافة مهيمنة اليوم، تشجع على تكاثر هذه القطاعات الواسعة، التى تدغدغ المشاعر البدائية للناس حتى إن بعض المراقبين والمحللين لاحظوا أن الصوت الأعلى فى المجتمع هو صوت الأغبياء، وأن الأذكياء اكتفوا بالنواح مع الأسف الشديد.

علينا أن نعترف أننا أمام صناعة للوعى الغبى، تمضى اليوم فى كل مكان على قدم وساق سواء فى المنطقة. والغباء ــ كما تعلم عزيزى القارئ ــ هو أقصر الطرق إلى الحقد وبالتالى الشعوبية، وهو أقصر الطرق أيضًا للتطرف. فالمتطرف الدينى يعتقد أنه يمسك بحقيقة الدين، ويطل علينا من الشاشة والمذياع والصحافة وبعض المنابر ليعلمنا أصول الدين والتدين بل والسلوك فى بيوتنا وأعمالنا فى حين أنه لا يعرفه، ولربما لا يملك حتى القدرة الفكرية اللازمة لدراسته، وفهمه. ويبلغ هذا الغباء مستويات مرعبة فى ظل أنظمة سياسية تؤسس للغباء فى دساتيرها ومؤسساتها التربوية والدينية والسياسية. وعلى الرغم من ذلك نحن نرى ما يحدث فى السعودية ومصر ودول أخرى من محاولات للتطوير، وهذا جهد مشكور ومتميز لكن هناك أحداث تقع تصيبنا بالإحباط تجعلنا نتساءل: هل يمكن أن يأتى وقت يمد فيه النظام مساحات الرأى لكل طوائف الشعب المصرى على تنوعه الثقافى والدينى والعلمانى؟ هل يأتى الوقت الذى فيه يتحول الوضع الحالى (للحماية من الإرهاب)، إلى الاستقرار السياسى طبقًا للدستور؟ متى يأتى الوقت الذى نحتمل فيه حرية الرأى مع رفع سقف حرية الإعلام؟.

زمن التفاهة

تحدثت فى مقالى السابق عن «فن صناعة الوعى الغبى»، وخرجنا بنتيجة أنه لأسباب كثيرة حدث ضعف أكاديمى ومهنى شديد ألمّ! بمثقفينا الحاليين مقارنة بحقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وأننا فى الشرق الأوسط من الصعب علينا التفريق بين الفيلسوف والصحفى المبتدئ، وأن الصوت الأعلى فى مجتمعاتنا هو صوت الأغبياء.

فى هذا المقال أتحدث عن كيف أثر ذلك على مجتمعاتنا، فصارت التفاهة تحيط بنا من كل جانب، فمصطلح التفاهة الذى نسمعه ونقرأه طوال اليوم يثير سؤالًا مهمًا، هل هناك تعريف واضح للتفاهة؟!.

فى العشرينيات والثلاثينيات وحتى بداية الستينيات من القرن الماضى كان مفهوم التفاهة أو تعريفها هو «فشل فى تأويل (تفسير) ما هو (رصين) إما لضعف عند التافه فى قدرته على فهم ما هو رصين أو علمى أو لعدم رغبته العودة للجذور (بطريقة أكاديمية أو علمية)، أما التفاهة المعاصرة فالقصد منها تحويل الأمور الجادة إلى حالة من التفاهة والسطحية ليس إلا، ولرصد هذه الحالة لابد أن نلتفت ونحلل ظاهرة الأجهزة الذكية والتى صارت بين يدى الغالبية العظمى من الشباب وبعض أنصاف المثقفين المنبهرين بها حيث يستلذون بإنهاء دور المثقف الأكاديمى الجاد، باعتبار أن الشعبوية أو الشعبى قد «برز» وأخذ مساحته، وصار له منبره على طريقة الإعلام الجماهيرى الشعبوى «منبر من لا منبر له». لكن مشكلة التفاهة على السوشيال ميديا إنها ليست نسخة تالفة من نص جاد، كما ذكرنا فى الحقبة الثقافية المصرية السالفة، ولا فى موجة الشبان الوجوديين فى فرنسا بعد تحول الفلسفة «السارترية» نسبة إلى الفيلسوف جان بول سارتر إلى موضة اختصرت حينها بنوع من اللباس وتسريحة شعر وفلتان السلوك، وصارت الأرصفة تشهد شبانًا وفتياتٍ يرتدون أزياء بالية تافهة لا قيمة لها، ولا تعبر عن فلسفة سارتر الوجودية بكل نسخها «الدينية»، أو كير كغارد وغابريال مارسيل اللذان ناديا بوجودية إيمانية أى وجود الإنسان ووجود الله، والفارق بينهما والعلاقة التى تربطهما سلبًا وإيجابًا، وأيضًا لا تعبر عن الوجودية اللا دينية لدى سارتر نفسه وهيدغر، لكن التفاهة فى هذا المجال أن الشباب الذين نسبوا أنفسهم لهذه الفلسفة كان تمردهم مراهقًا استخدموا فيه بعض أفكار الوجودية لكن مستواهم الفكرى وُصف من محللى هذه الحركة بالتفاهة وأكدوا فى أبحاثهم الميدانية أن هؤلاء الشباب لا يستطيعون العيش بلا تفاهات.

وبالعودة للسوشيال ميديا مبدئيًا نجد أنها اكتسحت كل هؤلاء، فهى طوفان جارف لا أساس علميا له، ومعظم ما يقال على شاشاتها تافه، وقد وُصفت بأنها «محاولة تأصيل جذر التفاهة أو البحث عن سببه وعلته». قال بعض المحللين العالميين بهذا الشأن إن سبب هذه الظاهرة (التفاهة) أنها ظهرت بسبب انهيار الأساسات التى يقوم عليها التفكير العلمى مثل رفض الخرافة والبحث عن الأسباب الحقيقية للظواهر بدلًا من نسبتها للجن والشياطين، هذا فضلًا عن تفتت أو إهمال المراجع الأصيلة التى كان لا غنى عن الرجوع إليها فى أمر يراد بحثه، بالإضافة إلى ذلك محاولة كل شخص شبه مثقف أن يعطى ذاته عمقًا أكثر مما يستحقه، لكن هناك بعض المحللين قالوا إن السبب الأول هو صعود وسرعة التقنية والتكنولوجيا، وقد بدأت هذه الظاهرة (التفاهة) منذ أن انبهر العالم بـ «القنبلة الذرية»، حينها صرح الفيلسوف المعروف هيدغر بأن هذه التقنية والتى بدأت بالقنبلة هى «ميتافيزيقا العصر»، بمعنى أن على الإنسان أن يتبع هذه التقنية كما كان يتبع دينه من قبل انفجار القنبلة الذرية، وكتب مقالًا يشرح فيه فلسفته قائلًا «إننى أحاول أن أفهم ماهية التقنية وكأنها الطريق للسعادة النهائية الأبدية للإنسان الباحث عن إله».

ثم يقول أيضًا إن القنبلة الذرية هى ظهور أو بداية لسر أكثر عمقًا بكثير يسميه «الحدوث» وبالطبع هنا مشكلة حقيقية فى فهم التقنية ومحاولة تحويلها كبديل للدين والفلسفة. وهكذا ظهر عصر الحداثة ثم ما بعد الحداثة وفُتحت مناقشات ملخصها أن يتجاوز الإنسان الفنون والعمارة والفلسفة والأدب.. إلخ، وهكذا جاء هابرماس بكتابه «العلم والتقنية كأيديولوجيا» أى دين وعقيدة العلم والتقنية، وقد اعتبر كثيرون من النقاد العالميين أن هذا التوجه (التكنولوجيا الدين) هو حفر لنقض العمق والجذور والأسس العلمية واستبداله بفن استبطانى، يلغى ويدمر جميع الحدود بين الثقافة الرذيلة والرفيعة، والثقافة الشعبية والأكاديمية كما يميع الحدود بين الفن فى ذاته والتجربة اليومية.

الطامة الكبرى أن مستخدمى السوشيال ميديا تبنوا هذه الظاهرة التى اعتبرت أن الميتافيزيقيا هنا والآن، وميعت الحدود بين العلم والفن من ناحية والتجربة والخبرة الشخصية من الناحية الأخرى، وقد انقسم هؤلاء إلى قسمين: الأول أشخاص يجيدون التثقيف والحديث ولهم مسارهم العلمى أحيانًا أو أقل القليل منه والذى يمكن أن يكون مفيدًا إلى حد ما، وذلك لأن معظم من يستخدمون السوشيال ميديا من الشباب ثقافتهم ضحلة ويمكن أن يتجاوبوا مع هذا الاتجاه ويمكن أن يكون مفيدًا لهم فى إثارة قضايا مهمة بل ويمكن من خلال حوار مثل هذا أن يبدأوا رحلتهم نحو تفكير منطقى وعلمى إلى حٍد ما، لذلك لن أتعرض لهم فى مقالى هذا. لكن نقدى هنا بالأساس يركز على «النجوم التافهين» الصاعدين على هذه المنابر طارحين أنفسهم كمؤسسين وقدوات للأجيال الحالية والأجيال التى ستأتى لاحقًا بعد قرون من الزمان. أولئك ينبتون بلا جذور ولا أساس، ويغتبطون بالتوجيه والحديث بتوافه الأمور، ويغترون بالجلبة المحيطة بهم من أناس تافهين نظيرهم، وأنتجت هذه الظاهرة على السوشيال ميديا «قلة الأدب» و«تعميم الشتيمة» والعبث بأخلاق المجتمع وللأسف تتحدث هذه الأسماء من خلال المنابر والنوافذ على أنها تدعو لقيم معينة، وأنها تحمى قيم الأصولية سواء كانت دينية (فقهية أو لاهوتية) أو علمية أو فنية أو أدبية، وعندما تقرأ لهم تعليقاتهم على مقالات مهمة تشعر بحالة التجهيل المنظم، فقد صارت السوشيال ميديا بديلًا للمراجع والوثائق والأصول العلمية والدينية الحقيقية ومفهوم التطور لهم، وهذه ظاهرة لا يمكن تشخيصها، إلا بوصفها «تفاهة». والتفاهة هنا ليست شتيمة بل وصف محايد مؤدب للأشخاص الذين يتدخلون فى ما لا يعرفون، وتعرف المعاجم والقواميس مصطلح التفاهة بأنه مشتق من «تفه» و«تفه الطعام أى صار بلا طعم أو ذوق»، وقد وصف من يمارس مثل هذا الفعل بأنه «التافه الذى يتكلم بأمر العامة».

هذه هى ظاهرة السوشيال ميديا التى لا ترتبط بمعنى، ولا تحقق غرضًا إنما حوارات حول موضوع يعلقون عليه بلا عودة لمراجع أو مفاهيم صحيحة بل كل شخص يعبر عن ذاته بما يحبه وما يكرهه فى سطحية شديدة، والواجب علينا جميعًا أن نؤسس لوعى يجعل لهذه الثرثرة حدودها الطبيعية، لأن غزوها، وتحويل كل شيء إلى تفاهة متداولة ومتبادلة بمنابرها يفرغ كل عمق فى هذا العالم، ولأن الجمال بكل مجالاته الفنية والأدبية واللغوية لا يمكن أن يأتى إلا عن طريق جذر، وأن يُسقى جذعه بعمق وإطلاع وفهم، لكن أن يتصدر كل شخص جاهل سطحى لإصدار النتائج والحقائق، وأن يضع نفسه ملهمًا ونبراسًا ودرسا وأساسًا فهذه طامة كبرى، تدمر كل الجماليات التى بين أيدينا، إنه انحطاط وانهيار وجنون، وإحاطة بكل ما حققه الإنسان من أدب وثقافة وعلم ولاهوت وفقه.